الجمعة , 28 يوليو 2017
منوعات
الرئيسية >> إسلاميات >> هذا هو الإسلام (1) الدِّين.. والحضارة

هذا هو الإسلام (1) الدِّين.. والحضارة

هذا هو الإسلام الدِّين.. والحضارة

هذا هو الإسلام الدِّين.. والحضارة

بقلم: أ.د. محمد عمارة

 

الإسلام دين التوحيد.. توحيد الله، سبحانه وتعالى، في الألوهية.. والربوبية.. والذات.. والصفات.. والأفعال.. حتى أنه قد بلغ في هذا التصور التوحيدي قمة التنزيه والتجريد، اللذين لا تستطيع اللغة البشرية التعبير عن حقيقة كنههما.. وإنما فقط ـ تضرب لهما الأمثال التي تقربهما إلى التصورات.. فخلاصة الإسلام، والإخلاص للإسلام، هو التوحيد الذي جاءت به سورة الإخلاص: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ {2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ {4}‏ )(الإخلاص). والله سبحانه وتعالى في التصور الإسلامي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {11})(الشورى)، وبعبارة فلاسفة الإسلام: “فكل ما خطر على بالك فالله ليس كذلك”! وعلى حين ترى مذاهب وفلسفات أخرى أن لله صورة، وأنه قد خلق آدم على صورته ـ أي على صورة الله ـ فإن الإسلام العقيدة ومعه العربية اللغة وهي لغة كتابه وشريعته يفسر هذه المأثورة “لقد خلق الله آدم على صورته” (رواه مسلم والإمام أحمد) بأن الله قد خلق آدم عليه السلام على صورته، أي صورة آدم، إذ الضمير في “صورته” يعود إلى أقرب مذكور، فسبحان الله وتنزه عن التصور والصُّور والتصوير. سلم الشرائع وشريعة الإسلام: هي الدرجة العليا والخيرة والخاتمة، في سلم شرائع النبوات والرسالات، التي توالت ـ في إطار دين الله الواحد ـ من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام لذلك، جاءت هذه الشريعة الإسلامية مصدقة ومستوعبة لما بين يديها، ولما سبقها من النبوات والرسالات والكتب والصحائف والألواح.، مصدقة في ثوابت عقائد الدين الإلهي الواحد وقيمه، ومهيمنة على تلك الشرائع، بالتصحيح لما حدث فيها من التحريف والتغيير والتبديل، وبالتذكير لما وقع فيها من نسيان، وبالتجديد والإضافة فيما تجاوزه التطور الزماني والتغير المكاني والتبدل في الأعراف، كما جاءت هذه الشريعة الإسلامية الخاتمة بالانتقال بنطاق التشريع الإلهي من المحلية إلى العالمية، ومن التوقيت إلى الخلود، ومن مجرد “الدعوة الدينية” إلى “المنهاج الشامل” للدين والدولة، والأمة والحضارة والاجتماع، وذلك حتى تحرس الدولة الدين، ويسوس الدين الدولة، فلم تقف هذه الشريعة فقط عند مملكة السماء خارج هذا العالم وإنما شملت الدنيا مع الآخرة، والفرد مع المجموع، والآخر مع الذات؛ (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ {163}) (الأنعام). وإذا كانت آيات العالمية في القرآن الكريم قد نزلت في المرحلة المكية، قبل الهجرة والدولة، (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ {104}) (يوسف) (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ {107}) (الأنبياء)، فإن هذه العلاقة بين الشريعة الإسلامية وبين أهل الشرائع الإلهية السابقة، قد أخذ طريقها إلى “التنظير” و”التقنين” و”التطبيق” منذ اللحظات الأولى للعلاقات التي قامت بين الأمة الإسلامية ودعوتها دولتها بين أهل تلك الشرائع والديانات. دستور المدينة ـ ففي دولة المدينة المنورة، ومنذ العام الأول لقيامها سنة 1هـ / 622م، نص “دستورها” ـ الذي اشتهر بـ”الصحيفة” و”الكتاب” ـ على: أن “يهود أمة من المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، ومن تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، غير مظلومين ولا مُتناصَر عليهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم”(1). ـ وفي أول لقاء مع النصرانية ـ سنة 7هـ / 628م ـ السنة التي بدأت فيها العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية ـ خاطب الصحابي حاطب بن أبي بلتعة (35 ق.هـ / 586 ـ 650م) المقوقس عظيم القبط في مصر محدداً علاقة الإسلام بما سبقه من شرائع ورسالات، فقال للمقوقس: “إن لك ديناً ـ أي النصرانية ـ لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام، الكافي به الله فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن، إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به”(2). وفد نصارى نجران فلما استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى “نجران” ـ في المدينة سنة 10هـ / 631م ـ فتح لهم باب مسجد النبوة، فصلوا فيه صلاتهم لعيد الفصح، وقنن لهم ـ في العهد الذي كتبه لهم ـ علاقة الشريعة الإسلامية ودولتها بالشريعة النصرانية والمتدينين بها، وهي علاقة “المواطنة” الكاملة في ظل الدولة الإسلامية والمرجعية الدينية والأمة الواحدة.. صنع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كتب لهم: “لنجران وحاشيتها وسائر من ينتحل دين النصرانية في أقطار الأرض جوار الله وذمة محمد رسول الله، على أموالهم وأنفسهم وملتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم.. أن أحمي جانبهم، وأذب عنهم، وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم، ومواضع الرهبان ومواطن السياح، وأن أحرس دينهم وملتهم أين كانوا بما أحفظ به نفسي وخاصتي وأهل الإسلام من ملّتي؛ لأني أعطيتهم عهد الله على أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وعلى المسلمين ما عليهم، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم”(3). فقرر الإسلام وقنن ـ منذ ذلك التاريخ ـ كامل حقوق المواطنة، انطلاقاً من الدين، وعلى أساس من العقيدة الإسلامية، وليس على أنقاض الدين والاعتقاد الديني ـ كما هو حال “المواطنة” في حضارات أخرى! والإسلام: هو الدين القيم.. أي الدين المستقيم، والمقوِّم لأمور الناس؛ (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ {43})(الروم)، { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ {163}) (الأنعام). وهو دين القيِّمة.. أي دين الأمة التي تسلك سبيل العدل والاستقامة؛ (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ {5}) (البينة)، فمساحة القيم والأخلاق في شريعة الإسلام هي مصدر القانون، والمعيار لإسلامية هذا القانون. والإسلام: دين البيّنة، التي تبيّن الشيء وتوضحه، حسياً كان هذا الشيء أو عقلياً.. ولقد ورد هذا المصطلح ومشتقاته في القرآن الكريم في ثلاثمائة وسبعة وخمسين موضعاً: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ {42}) (الأنفال)، (فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) (الأنعام: 157). دين البرهان والإسلام: دين البرهان، أي الحجة الفاصلة البينة، يقيم البرهان على عقائده وحقائقه، ويدعو الآخرين إلى البرهنة على ما لديهم من مقولات وتصورات؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً {174}) (النساء)، (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ {117}) (المؤمنون)، (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {111}) (البقرة)، (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ {24})، (الأنبياء)، (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ {75}) (القصص). والإسلام: علم؛ (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ {61}‏) (آل عمران). والله ـ في الإسلام ـ هو (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) (التوبة: 94)، وأولوا العلم، في الإسلام، هم ـ مع الله والملائكة ـ القائمون بالقسط: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {18}) (آل عمران)، وهم الأكثر خشية لله، عندما يكتشفون أسرار الإبداع الإلهي والقدرة الإلهية في الكون: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ {28}) (فاطر)، لذلك، فإن الإسلام إذا حاكم واحتكم إنما يحاكم إلى العلم وإليه يحتكم: (نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {143}) (الأنعام)، (هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) (الأنعام: 841)، (اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {4}) (الأحقاف). والإسلام: نور واستنارة وتنوير إيماني؛ (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) (النور: 53)، (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ) (البقرة: 257). والله ـ في الإسلام ـ نور؛ (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (النور: 35)، والقرآن نور؛ (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ {8}) (التغابن)، وكذلك “الحكمة”، التي هي الصواب العقلي هي الأخرى نور، وفي الحديث النبوي يقول رسول الهل صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحيي القلوب بنور الحكمة” (رواه الإمام مالك في الموطأ)، ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم نور: (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ {15}) (المائدة). الهوامش: (1) “مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة”، ص 17 – 21، جمعها وحققها: د. محمد حميد الله الحيدر آبادي ـ طبعة القاهرة سنة 1956م. (2) ابن عبدالحكم: “فتوح مصر وأخبارها”، ص 46، طبعة ليدن سنة 1920م. (3) “مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة”، ص 111 – 821. (*) مفكر إسلامي ـ مصر

اترك رد