الثلاثاء , 23 مايو 2017
منوعات
الرئيسية >> تكنولوجيا >> الهند: رحلة القضاء على مرض شلل الأطفال

الهند: رحلة القضاء على مرض شلل الأطفال

الهند: رحلة القضاء على مرض شلل الأطفال

ديفي واحدة من مئات آلاف النساء اللائي يعملن في برنامج مكافحة شلل الأطفال

كانت الهند قبل سنوات قليلة تضم نحو نصف عدد المصابين بمرض شلل الأطفال في العالم، لكنها أصبحت حاليا خالية رسميا من المرض.

ويعود هذا الإنجاز الرائع إلى جيش من النساء يجتزن البلاد سيرا على الأقدام بغية تقديم مصل الوقاية من المرض للأطفال دون سن الخامسة.

سيتا ديفي، 57 عاما، واحدة من “كبار الناشطات في حملة شلل الأطفال” وغالبا تمشي أميالا في الحر القائظ للوصول إلى الأطفال المحتاجين إلى التطعيم ضد المرض في القرى والتجمعات النائية.

وديفي واحدة من مئات آلاف النساء اللائي يعملن في مركز “أنغانوادي” للرعاية الصحية في الهند، الذي يقدم الخدمات الصحية الأساسية للفقراء.

هؤلاء النسوة يعملن في إطار مبادرة “محاربة شلل الأطفال” التي بدأت عام 1995 بهدف القضاء على المرض في البلاد.

وقدم المركز منذ ذلك الوقت 12.1 مليار جرعة من مصل مكافحة مرض شلل الأطفال.

تمشي النساء العاملات بالبرنامج أميالا للوصول إلى الأطفال في المناطق النائية

كانت الهند تضم نحو نصف عدد حالات الإصابة بمرض شلل الأطفال في العالم عام 2006، لكنها سجلت مطلع العام الجاري مرور ثلاثة أعوام دون رصد حالة مرض جديدة.

وأتاح هذا الإنجاز لمنظمة الصحة العالمية إعلان منطقة جنوب شرق آسيا بأكملها منطقة خالية من مرض شلل الأطفال.

“مشكلة جديدة”

لكن ديفي تشعر الآن بالقلق، فهي لا تعرف إذا كان بمقدورها إقناع الأسر التي تعمل معها في المناطق الريفية في محيط مدينة “الله أباد” شمالي الهند بتطعيم أطفالهم ضد المرض مرة أخرى.

وعبرت ديفي عن قلقها هذا في اجتماع صباحي للعاملين بمركز “أنغانوادي” في واحد من مكاتب الصحة المحلية في مدينة “الله أباد”.

كانت درجة الحرارة خارج غرفة الاجتماع 45 درجة مئوية، ولم تفلح مروحة يعلوها الصدأ في تلطيف جو الغرفة.

ويرجع قلق ديفي جزئيا إلى نجاح برنامج القضاء على المرض، حيث تبدأ المرحلة الثانية من التطعيمات في يونيو/ حزيران المقبل، لكن العديد من الأسر لا تري منطقا يبرر إعادة تطعيم أبنائهم بعد أن أصبحت الهند خالية من المرض.

وتقول ديفي لمدير الشؤون الصحية بالمنطقة راجيش سينغ “هذه مشكلة جديدة يجب علينا أن نتعامل معها بحرص، لكي يفهم الناس لماذا نعطي أبنائهم جرعات اللقاح المضاد للمرض”.

وبسبب هذه المخاوف، يشجع سينغ العاملين بمركز أنغانوادي على أن يشرحوا للأسر أهمية التطعيم باللقاح بانتظام لكي لا يعود مرض شلل الأطفال مجددا.

يشجع مسؤولو الصحة المحليون العاملات بالبرنامج على توعية الأسر بخطورة المرض

وبدا حديثه المفعم بالحيوية مقنعا، إذ استعدت النساء بحماسة للمغادرة كل باتجاه منطقة عملها.

“ملتزمون بالقضية”

ويشرح سينغ “هؤلاء النساء غالبا يغطين نحو 500 منزل في اليوم ويمشين أميالا، ليست النقود هي دافعهن لذلك العمل فهؤلاء النساء يعملن بلا كلل لأنهن يشعرن بالتزامهن نحو هذه القضية الإنسانية”.

وبعد انتهاء الاجتماع خرجت ديفي إلى الجو الحار ومشت باتجاه الطريق الرئيسي لكي تركب حافلة عامة.

وقالت ديفي، بينما كنا نمشي ببطء عبر حركة المرور باتجاه منطقة عشوائية، إنها غالبا تعمل في المناطق الأكثر فقرا لكي تشرح للأسر خطورة مرض شلل الأطفال.

وتقول ديفي إن الأموال لم تكن ذات يوم حافزها للقيام بهذا العمل.

ويكسب العاملون بمركز أنغانوادي أقل من جنيه (استرليني) واحد من كل زيارة إلى منطقة عمل، بالإضافة إلى راتب شهري بنحو 4000 روبية هندية، أو ما يساوي 40 جنيها استرلينيا.

لكن ديفي ترصد أثار مرض شلل الأطفال بشكل مباشر، حيث رأت ابن شقيقها يكبر والمرض يلازمه وغير قادر على المشي أو ممارسة الأنشطة الأساسية.

وتتذكر ديفي قائلة “في عام 1998 سمعت عن برنامج مكافحة شلل الأطفال، وطلبت من مركز الرعاية الصحية المحلي أن يعالج ابن شقيقي لكنهم أخبروني بأن التطعيم يمنع فقط ظهور المرض”.

وسبب عدم استطاعتهم مساعدة الطفل حالة احباط كبيرة لها، لكن ذلك دفعها لأن تقرر الانضمام لبرنامج مكافحة المرض.

وتضيف “لقد سجلت اسمي فورا للانضمام لبرنامج مكافحة المرض لأني رأيت كيف يدمر هذا المرض الحياة، كان يضطر أحد أفراد الأسرة إلى ملازمة ابن شقيقي، حيث كنا لا نستطيع الخروج كأسرة كاملة”.

بدأت مبادرة القضاء على شلل الأطفال في الهند عام 1995

وتقول “لقد كبر ابن شقيقي الآن، لكنه لا يزال يعاني صعوبة في التحرك خارج المنزل لأن الهند ليست بلدا تعامل المعاقين باللطف المطلوب”.

مكافحة المرض

عندما وصلنا إلى وجهتنا شرحت ديفي معاناة المنطقة من نقص الخدمات الأساسية، مثل الصرف الصحي والكهرباء وحتى مياه الشرب، تماما كما هو حاصل في العديد من قري الهند.

وبينما كانت ديفي تتنقل من منزل لآخر، بدأت أفهم كيف نجح البرنامج في هذه المهمة الضخمة للقضاء على المرض، في بلد يقطنه أكثر من مليار شخص.

فطبيعة شخصية ديفي الودودة تساعد البسطاء من القرويين على الحديث إليها بحرية دون حرج بشأن حياتهم ومشاكلهم.

وتقول ديفي “من السهل على هؤلاء الأشخاص أن يثقوا بي بمجرد سردهم بعض تفاصيل عن حياتهم لي”.

وتضيف “بعد أن يتحدثوا معي عن حياتهم لفترة، استطيع أن أشرح لهم كيف يمكنهم حماية أطفالهم من شلل الأطفال، الذي سيكون عبئا إضافيا على كاهلهم”.

وخلال تنقلها بين منازل المنطقة العشوائية يجري خلفها الأطفال حفاة الأقدام يطلبون منها مزيدا من الحلوى.

ويؤدي ارتفاع حجم الفساد في الهند إلى صعوبة أن يثق الناس بالمبادرات الحكومية، لكن ديفي تصر على أن برنامج مكافحة شلل الأطفال شيئ مختلف.

يحب الأطفال ديفي لأنها تعطيهم الحلوى إلى جانب التطعيمات

وخلال جولتنا، لم توافق إحدى الأسر على تطعيم أطفالها، ولذلك فقد أخرجت ديفي أدوات التطعيم وشرحت كيف أن نقاط التطعيم محفوظة في صندوق مبرد بعيدا عن التلوث.

وتعطي ديفي الأطفال قطعا من الشيكولاته قبل أن تعطيهم جرعة التطعيم.

وتقول “غالبا أتعب من السير لنحو 10 كيلومترات في الحر الشديد للوصول إليهم”.

وأضافت مبتسمة وهي تشاهدني أمسح عرق جبيني “لكني سأستمر في العمل طالما سمحت لي صحتي بذلك”.

“ليس لدينا وقت للراحة”

وتتطابق حكاية ديفي مع حكايات الكثير من العاملات بمركز أنغانوادي اللائي يسافرن أميالا للوصول إلى مناطق عملهن.

وتعمل ريتو تريباثي، وهي واحدة من زميلات ديفي، على بعد نحو 70 كيلو مترا من منزلها، وتبقى في مكان عملها طيلة الأسبوع.

وترى طفليها الصغيرين في عطلة نهاية الأسبوع فقط، حيث تعهد لوالدتها بعناية الأطفال خلال فترة غيابها.

وتقول “لا أستطيع تحمل تكلفة السفر بالقطار في أغلب الأحيان، وأفضل أن استثمر طاقتي في حملة مكافحة مرض شلل الأطفال وبرامج الخدمات الاجتماعية الأخرى التي تديرها الحكومة”.

ويعد تدني مستوى الأجور مشكلة حقيقية تواجه العاملين في البرنامج، وفي وقت سابق من العام الجاري نظمت العديد من إضرابات العاملين في مناطق مختلفة من الهند، لكنها كالمعتاد لم تؤت أثرا.

وتقول تريباثي “سيكون أمرا جيدا إذا رفعت الحكومة أجورنا مقابل ما نبذله من جهد، لكن حتى لو لم يحدث ذلك سأستمر في العمل”.

وبحلول المساء كنت منهكا بعد مرافقة ديفي في عملها، وحاولت بصعوبة تخيل الاستمرار في هذا العمل بشكل يومي على مدار عدة سنوات.

لكن تريباثي تصمم على عدم التخلي عن هذا العمل.

وقالت “لقد كافحنا كثيرا للقضاء على مرض شلل الأطفال. لكن ليس لدينا وقت للراحة إذا رغبنا في الحفاظ على بلادنا خالية من هذا المرض”.

الهند: رحلة القضاء على مرض شلل الأطفال

اترك رد