السبت , 23 سبتمبر 2017
منوعات
الرئيسية >> تكنولوجيا >> هل تحدد تركيبة المخ توجهاتك السياسية؟

هل تحدد تركيبة المخ توجهاتك السياسية؟

هل تحدد تركيبة المخ توجهاتك السياسية؟

تعد السياسة واحدة من أكثر مجالات الفكر الإنساني تعقيدا. لذلك انتابني الشك بطبيعة الحال عندما سمعت مزاعم بأن فحص مخ الإنسان قد يساعد في التنبؤ بمعرفة خياراته السياسية.

ولا تزال علوم الدماغ تحقق تقدما وتكشف أفكارا غير عادية، لكن تحديد ما يمكنك قياسه عبر الماسح الضوئي لتفاعلات الإنسان الاجتماعية يعتبر طفرة كبيرة في هذا المجال، مثل محاولة كشف العلاقة بين طبقين من أطباق المرق، أحدهما من الخضروات والمكرونة واللحم والآخر من خلاصة بعض الأفكار عن الاقتصاد والمساواة والتاريخ.

لكن علماء نفس وأعصاب في كلٍ من الولايات المتحدة وبريطانيا يجرون حاليا دراسات في غاية الأهمية للربط بين المواقف السياسية وما يجري داخل جماجمنا.

ويقول دارين شرايبر، الأستاذ في جامعة إكستر: “بالنظر في كيفية معالجة المخ للظواهر السياسية يمكننا أن نفهم بشكل أفضل لماذا نقوم بما نقوم به.”

وبدأ شرايبر في استخدام آشعة الرنين المغناطيسي الوظيفي (FMRI) أثناء وجوده بالولايات المتحدة الأمريكية، لبحث أنماط النشاط في المخ أثناء اتخاذ الناس قراراتهم، خاصة تلك التي تنطوي على بعض المخاطر.

وفي حين لم تكن قراراتهم مختلفة بقدر كبير، رأى الدكتور شرايبر تباينا في أجزاء من المخ والتي كانت الأكثر نشاطا في من يصفون أنفسهم بالمحافظين وأولئك الذين يطلقون على أنفسهم ليبراليين.

ولن يعمم الأستاذ في جامعة إكستر كيفية تفكير المحافظين والليبراليين بالضبط، لكنه يعتقد بأن بحثه يقول إن وجهات النظر المختلفة تعكس تباينا عميق الجذور في كيفية فهم العالم.

وبدا ريد مونتيغو، الأستاذ في جامعة كوليدج لندن وجامعة فرجينيا للتكنولوجيا، متشككا عندما تقدم لمساعدة علماء السياسة في أبحاثهم.

ويضيف مونتيغو: “سخرت منهم، وخرجت من الغرفة”، لكن عندما أظهر جون تشيشولم وفريقه، في جامعة نبراسكا، له بياناتهم التي توصلوا إليها بدأ في تغيير لهجته.

اختلافات وراثية

وتوصلت الأبحاث التي أجريت على توأم إلى أن الولاء السياسي يكون في أجزاء منه وراثيا.

قد لا يكون هذا الولاء السياسي بنفس دقة طول التوأم، على سبيل المثال، ولكن يكفي أن يشير إلى أن بعض الميول تكون محافظة إلى أقصى حد أو موجودة داخل الحمض النووي.

لكن كيف يمكن بالضبط للاختلافات الجينية أن تتجسد في الاختلافات السياسية على أرض الواقع؟

ويعرب الأستاذان هيبينغ ومونتغيو عن رغبتهما في معرفة إذا ما كان يمكن ملاحظة هذه الميول الفطرية في عمل المخ.

لذلك، قام العلماء باختبار بعض ردود الفعل العفوية تجاه صور صممت خصيصا لإثارة الاشمئزاز والخوف، وقالوا إن هناك علاقة بين قوة ردود الفعل للصور وبين وجهات النظر المحتملة لشخص محافظ اجتماعيا.

ويقول هيبينغ: “نحن بحاجة إلى توضيح الفرق بين التوجهات الاقتصادية المحافظة وبين التوجهات الاجتماعية المحافظة.”

وأضاف: “الناس الذين لديهم وجهات نظر أكثر تحفظا تجاه بعض القضايا، مثل الهجرة، والذين هم أكثر حرصا على معاقبة المجرمين، والذين يعارضون الإجهاض… هؤلاء هم من يبدو أن لديهم رد فعل أقوى بكثير تجاه الصور المثيرة للاشمئزاز.”

وتقاس ردود الفعل هذه بيولوجيا، وبالتالي فإن الأبحاث تربط بين وجهات النظر الصريحة الواعية وبين ردود الفعل التي تنبع من اللاشعور.

ويشمل البحث الذي أجري حتى الآن ردود الفعل تجاه الخطر والاشمئزاز والخوف والتي توضح أقوى الروابط لوجهات النظر السياسية الصريحة.

لكن، ظهرت الصعوبة عنمحاولة تطبيق هذه الرؤى في مواقف بعينها.

وقد يكون المحافظون الاجتماعيون في الولايات المتحدة مؤيدين بقوة لفكرة إنشاء دولة صغيرة وسوق أكثر تحررا. وفي بلدان الكتلة الشرقية السابقة، قد تجعلك التوجهات الاجتماعية أكثر ؤغبة في العودة إلى أيام الشيوعية القديمة.

ويحذر عالم الاقتصاد السلوكي، ليام ديلاني، الذي يدرس الآن الجانب النفسي لحملات الاستفتاء على الاستقلال في أسكتلندا، من الاعتقاد بأن غرائز عقلنا الباطن يمكن أن تكون دليلا كاملا لهذا النقاش.

ويقول ديلاني: “تعد الحتمية البيولوجية صعبة إلى حد ما مع هذه الحالات، لأن هناك تباينا كبيرا للغاية بين الأنظمة السياسية المختلفة.”

قام العلماء باختبار بعض ردود الفعل العفوية تجاه صور صممت خصيصا لإثارة الاشمئزاز والخوف

ويوافق شرايبر وجهة النظر السابقة بأن “السياسية الإنسانية في غاية التعقيد، ليس فقط فيما يقتصر على العقل. وأريد أن أكون واضحا للغاية في أنني لست من أتباع الحتمية البيولوجية. فنحن ثابتون ولا يجب أن نكون ثابتين.”

ويتابع: “إذا كان الناس بسطاء للغاية، فلن نحتاج إلى هذه العقول الكبيرة والمعقدة.”

ولا يدعي أحد من العلماء القائمين على هذه الدراسة بأن وجهات نظرنا السياسية هي عفوية تماما.

فالعقول البشرية تتغير على مدار حياتنا، لذلك يحرص علماء الأعصاب على القول إن تجاربنا، فضلا عن جيناتنا، لطالما تشكل المخ الذي تمر خلاله هذه التجارب.

“التوجهات اليسارية”

لكن جون هيبينغ يعتقد بأن دوافعنا اللاشعورية، والتي تطورت منذ فترة طويلة كرد على المخاطر الجسدية، توجه تفكيرنا السياسي أكثر مما نحب نحن أن نعتقد.

ويقارن هيبينغ بين ميولنا الأيديلوجية العفوية وبين أي يد نفضل استخدامها. فنحن تعودنا أن نفكر كما لو كانت عادة يمكن تغييرها، لكننا نعرف الآن أنها “متأصلة في علم الأحياء”.

ولذلك آثار بالغة على الحياة السياسية. فإذا كان الشخص يميل إلى التوجهات اليسارية بقدر العفوية في استخدامه ليده اليسرى، فلماذا كل هذا الإزعاج في الجانب السياسي؟

هل يمكننا وضع الجميع في جهاز الماسح الضوئي للمخ، واستنتاج ما يفكرون فيه، وهل سيستمرون في التفكير، وهل ولدوا ليفكروا، والتوقف عن محاولة تغيير طريقة تفكير أي شخص؟

لقد شعرت بالارتياح عندما وجدت أنه حتى جون هيبينغ نفسه لم يصل لهذا الاستنتاج.

“فليس من المبالغة إن اعتقدت بأنه على الناس أن تصمت وأن تقبل باختلاف بعض الأشخاص. لكني أعتقد أن عليهم أن يقبلوا بأن بعض الناس إما أنهم لن يتغيروا أو أنه من الصعب عليهم للغاية أن يتغيروا، وإن استمرار صراخنا في وجوههم لن يغير من الأمر شيئا.”

لذلك، لن نقوم بقلب الصورة في أي وقت قريب. وهذا أمر جيد، لأنني ما زلت أعتقد بأنه يجب أن تكون مهمة السياسة هي إخراج أفكارنا من جماجمنا إلى العالم الواقعي، العالم الحقيقي المليء بالمعتقدات التي تمثل تحديا والآراء المتضاربة.

وربما أكون أنا متصلبا في تفكيري بهذه الطريقة.

هل تحدد تركيبة المخ توجهاتك السياسية؟